ابو القاسم عبد الكريم القشيري
62
لطائف الإشارات
على المسلمين ، ثم لهم عذاب أليم مؤلم ، يخلص وجعه إليهم في المآل . ( وفي ) الإشارة يحصل لمن خلط قصده بحظّه ، وشاب إرادته بهواه ( أن ) يتقدم في الإرادة بقدم ، ويتأخر بالحظوظ ومتابعة النفس بأخرى ، فهو لا مريد صادق ولا عاقل متثبت . ولو أن المنافقين أخلصوا في عقائدهم لأمنوا « 1 » في الآخرة من العقوبة كما أمنوا في الدنيا من نحو بذل الجزية وغير ذلك مما هو صفة أهل الشرك والذمة « 2 » ، كذلك لو صدق المريد في إرادته لوصل بقلبه إلى حقائق الوصلة ، ولأدركته بركات الصدق فيما رامه من الظفر بالبغية ، ولكن حاله كما قيل : فما ثبتنا فيثبت لنا عدل بلا حنف * ولو خلصنا تخلصنا من المحن « 3 » وإن من سقمت عبادته حيل بينه وبين درجات الجنات ، ومن سقمت إرادته حيل بينه وبين مواصلات القرب والمناجاة . وأمّا من ركن إلى الدنيا واتّبع الهوى فسكونهم « 4 » إلى دار الغرور سقم لقلوبهم ، والزيادة في علتهم تكون بزيادة حرصهم ؛ كلما وجدوا منها شيئا - عجّل لهم العقوبة عليه - يتضاعف حرصهم على ما لم يجدوه . ثم من العقوبات العاجلة لهم تشتت همومهم ثم تنغّص عيشهم فيبغون بها عن مولاهم ، ولم يكن لهم استمتاع ولا راحة فيما آثروه من متابعة هواهم ، وهذا جزاء من أعرض عن صحبة مولاه ، وفي معناه قيل : تبدلت فتبدلنا وا حسرتا * لمن ابتغى عوضا ليسلو فلم يجد « 5 » والإشارة في العذاب الأليم بما كانوا يكذبون إنما هي الحسرة يوم الكشف إذا رأوا أشكالهم الذين صدقوا كيف وصلوا ، ورأوا أنفسهم كيف خسروا .
--> ( 1 ) وردت ( لآمنوا ) وهي خطأ من الناسخ . ( 2 ) وردت ( وألزمته ) وهي خطأ في الكتابة . ( 3 ) أصلحنا قليلا في البيت لكي يؤدى معنى ، لأن ما في البيت من أخطاء كتابية تفقده كل قيمة ، وترجح أنها ( حيف ) لا ( حنف ) وإن كان الحنف معناه الميل إلا أن الحيف وهو الظلم أقرب . ( 4 ) ويحتمل أيضا انها في الأصل ( فركونهم ) حتى تتلاءم مع ( ومن ركن . . . ) ، وكلاهما مقبول . ( 5 ) وزن البيت غير سليم وقد ورد فيه ( وا خسرانا ) و ( ليلى ) ويبدو أن الناسخ قد وقع في أخطاء أخرى عند النقل .